القُرنفُل
إلتقت عيناه رفقة عينيها في مَشهد يألفهُ، رُغم حشود الناس التى كانت تتوسطهم، إلا أنها أثلجت صَدره، أشاح بصره بِسُرعه، إحتضن الأرض وتمطى في خطواته يتسائل، هل رأيتُها قَبلاً؟، لكن كيف لقد أتيتُ إلى المدينةِ تَوي! لم يُلقي تساؤلاتهُ بالاً، لكن ما إجترحتهُ تِلك النظرة في روحه، لم يَكُن إعتيادياً البتة. أنجز معاملاته الورقية بنجاح، حَصل أخيراً على الوظيفة التي كان دائماً ما يحلُم بها، خرج هائماً، دهشاً، من جمال المكان والحضارة، إستدعى لثوانٍ مَسقط رأسه، إبتسم في هدوء، تلفت يميناً ويساراً، تفحص المكان، لمح بطرف نظره لافِته كُتب عليها "سِحر الأحلام"، مشى نَحوها مُبتهجاً، شئُ ما شده نحوها، عَبر الشارع العريض، وقف على الرصيف يتمعن اللافِته اللامِعه، إبتسم وهو يشهق رائحه القُرنفُل تَملئ صَدره، أصدر الباب لحناً جَميل إثر الجَرس المُعلق على حافتِه، أخرج مَكنون صَدره دليلاً على الراحة، وقف لثوانٍ، شعر بها ردحاً مِن الزمان، جلس على أقرب طاولة وقع نَظره عليها، كأنهُ قصد أن يجلس مواجهاً الشارع، أتت النادلة تسأل طلبه، ثُم عادت تَحمل كوباً مِن شاي القُرنفُل وبعض قِطع الشوكلاته المحلية، شَكرها جزيل الشُكر وأثنى على المكان والرائحة الأخاذه، همْ برفع رأسه، شعر مُجدداً بأن صدره غدا بارداً، وضع يده على قلبه علهُ يُطمئن، تَنهد، وأخذ يَرتشف كوب الشايِ بِبُطء، أحس بشعورٍ مألوف، إلتقطت عيناهُ عيناها في حركة مُدبره مِن الكون، كانت في نَفس حاله، واقفه على الرصيف تتَمعن في اللافِته اللامِعه، مُشرعةً يديها لتَسمح للهواء بالولوجِ إلى صَدرها الصغير، والذي يَسعُ مساحة الوطن الذي قادهُ القدر إليه، تَبسمت عند دخولها المقهي، فتساقط رزاز المطر، لعلها قطرة غيثٍ سَقطت سَهواً، ظناً مِنها أنها غَيمة أشرعت أبوابها لموِعد الهطول، وقفت مُتسَمرة، أثر الحشود المُتدافعة التي ولجت المكان، كأسراب النَمل، تَحتمي مِن المطر، سُرعان ما إمتلئ المكان بالناس والمشروب الساخِن، ما زال على حاله يَنظُر في دهشة، المُضغة الرابِطه بين الضلوع على وشكِ الفِرار، قطعت حَبال الدَهشة، بصوتٍ حريرياً سَلس، كأنهٌ مقطوعة موسيقية هربت إلى حلقها، بحروفٍ خافتِه ظَن أنها قافية لقصيّدة ما، هل بإمكاني الجلوس إن كُنت لا تُمانِع؟!، هربت الكلِمات بَعيداً، إستجمع قِواه بصوتٍ مُهتز ضعيف، هاا المَعزرة ماذا قلتي؟، سألتُك إن كان بإمكاني الجلوس؟ عادت الموسيقى، التي جعلت قلبه يتراقص، نَعم نَعم تَفضلي رجاءً، دارت خلفهُ، وكأنما شُد بجسده إلى زمنٍ أخر، زمن لا تُوجد فيه الكَلمات، إبتلعت الكَلمات نَفسها ، علقت في حلقه، بات أخرص، طغت رائحتُها على جَميع الروائح في المكان، حتى القُرنفُل الذي وضعه قبل ثوانٍ تَحت أرنبةِ أنفه، أو قَبل أعوام، ما عاد يَزكُر مذاق الشاي حتى، جَلست جِواره بحركة رشيقة، وضعت حقيبتها على الطاولة برفق، نزعت وشاحها الأبيض، الذي كان يَلتف حول عُنقٍ صَّغيراً، لا يكاد يُلمح مِن شِدة ضئالته، علقته على الكُرسي خلفها، أحس بالبرد، أزاحت القُبعه مِن على شعرٍ أشقر يتخللهُ بعض السواد، فأحس بالدفء، عطس دون أن يَشعُر بها تحتكُ أنفهُ قبلاً، يَبدو أنك أُصبت بالزُكام؟، المَعزرة؟!، وضعت كفها فوق يده بِلا سابق إنزارٍ على العاصِفة التي ستلمُ به، وأردفت عيناك مُتورمتان، ولونك صار شاحِباً هل أنت بخير؟ نَعم نَعم أنا أنا بِ.. لكن سُرعان ما تَهاوى جَسدهُ على الأرض، مُغمىً عليه، إستيقظ إثر صوت شخصٍ يتسائل ما سَبب إغماءه المُفاجئ. أكان كوب الشاي بالقُرنفُل أم يدها؟
Fascinating like always❤
ReplyDeleteقمة في الروعة يا صديقي
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
ReplyDelete